الجمعة

من مقالاتي في الجزيرة:



حرية العقل في الإسلام!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/05042012/fadaat33.htm

النفاق الثقافي المحمود!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/06092012/fadaat18.htm

تهويلُ أمر الموت!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/08032012/fadaat19.htm

غباء الببغاء
http://www.al-jazirah.com/culture/2012/13092012/fadaat24.htm

لبس العباءات النسائية بدعة!
http://www.al-jazirah.com/culture/2012/27092012/fadaat22.htm

الفساد أو الصلاح شأنٌ شخصي
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/26042012/fadaat26.htm

نشوة الكاتب وفيضان قلمه
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/12042012/fadaat16.htm

التغريب ورغبة التغييب
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/10052012/fadaat19.htm

عقولٌ كسلال النفايات!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/20092012/fadaat26.htm

اللحية أقوى من جميع المؤهلات.!!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/14062012/fadaat18.htm

يشتم من يعالجه ويكسوه ويُعَلّمه!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/24052012/fadaat20.htm

جربوا أن تتغيروا

أكبر إشكالات المعلمين..!
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/23022012/fadaat27.htm

نعم للتعايش.. لا للعصبيات

التنوير ملكا
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/03052012/fadaat19.htm

لحظات الإبداع ونواميسها الخفيّة
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/31052012/fadaat18.htm

السرقة بوصفها احتجاجاً
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/01032012/fadaat19.htm

التغيُّرات الفكريَّة في المجتمع السعودي
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/16022012/fadaat27.htm

 مثل شعبي وقاعدة طبية
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/13122012/fadaat21.htm

الزواج السريع
http://www.al-jazirah.com/culture/2012/07062012/fadaat18.htm

آفة الذِّهن الجبنُ
http://al-jazirah.com.sa/culture/2012/15032012/fadaat26.htm

السبت

خرجتُ من السجن والحمد لله..
وصدر كتابي (نحو الحرية في السعودية) أثناء اعتقالي، وعلمت من الناشر اللبناني أن الكتاب مُنع من دخول المملكة في معرض الرياض السابق، وسأجتهد في فسحه -إن شاء الله- قبل معرض الرياض القادم ٢٠١٤م

وبإمكانكم الاطلاع على جميع مؤلفاتي عبر الانترنت، فهي متاحة للقراءة المباشرة والتحميل، بنسخ الكترونية PDF ، على الرابط التالي:

http://waelalqasm.blogspot.com/2005/02/pdf-1-9782844096975-httpwww.html

تويتر : مجموعة من تغريدات وائل القاسم

الجمعة

التغيُّرات الفكريَّة في المجتمع السعودي

يعيش المجتمع السعودي في هذه المرحلة - من وجهة نظري - مرحلة مخاض كبيرة، تسبق ولادةً جديدةً، لوجهٍ حديثٍ، تشترك في رسمِ ملامحه مجموعةٌ من القوى الثقافية المختلفة المرتكزات والاستراتيجيات والأهداف.

كانت "الحداثة" في السابق مصطلحاً لا يتحدّث عنه إلا القلائل، وحُلماً تشتاق إلى تحقيقه وتطبيقه نفوسُ فئة نخبوية معينة من أبناء الوطن الذين تنوَّرت عقولُهم مبكراً؛ فتاقوا إلى معانقتها، وإعتاق مجتمعهم بها من قيود التخلف؛ ليواكب بعد تحريره جماليات العصر، ويلحق بركب التقدّم والتطوّر والنهضة الإنسانية الحديثة والإبداع البشري المتصاعد. 

ولكن المعادلة اختلفت اليوم في ظلِّ هذه الثورة التقنية الشاملة، التي أدارت باختراعاتها ووسائل اتصالاتها الرهيبة (رحى التنوير) والتغيير، في كثير من المجتمعات المنغلقة المظلمة سابقاً.

أصبحت هناك اليوم قوةٌ جديدة حقيقية "مدركة وملموسة" لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، يشعر بها كلُّ متأملٍ منصفٍ لواقعنا، وهي -في نظري- قوة ديناميكية رائعة تسير بالشكل الصحيح في الاتجاه الصحيح، وفي الوقت المناسب، وبتناغمٍ جميلٍ محمودٍ تشترك في تكوين ألحانه أصواتٌ مميزة حرّة، تتكاثر يوماً بعد يوم.. هي قوة أراها قادرة على تقويض الأسس التقليدية القديمة التي ظلَّ الناسُ أسرى لها دون وعي كاملٍ حقيقي بحقيقتها، ومَواطنِ الضعف والخلل والقصورِ فيها، ودون تعمُّق فكريٍّ سليمٍ -غالباً- في دهاليزها الخفية، التي لا تَظْهر إشكالاتُها إلا لمن سَبَرَ أغوارها بتحليلٍ عميقٍ، وتفكيكٍ وتشذيبٍ دقيقين، لتراكيبها المعقدة المتداخلة، بهدوء كامل، وتركيز شديد، وجدّيّة تامة، وطول نفس.

إن هذه القوة التي تحمل لواءها اليوم مجموعةٌ من أبناء وبنات الوطن تخوض معركة فكرية ثقافية حامية الوطيس، مع مجموعات من القوى الأخرى، وأظنُّ أن (العراك الفكري) والتفاعل الإيجابي بين حملة القناعات المتعارضة لا يفسد للود قضية بين أبناء المجتمع الواحد، باستثناء نزرٍ قليل من غير الأسوياء الذين يضعون كل من يخالفهم الرأي في منزلة عدو لدود.

لقد زرعت تلك المجموعة الصامدة الأبيّة في بساتين مجتمعنا أشجاراً جديدة ومتنوعة، وواظبت على سقايتها ورعايتها والاهتمام بتقليمها وتسميد تربتها، حتى بدأت تلك الأشجار تؤتي أكلها بشكل جميل ظاهر، لمسْته بنفسي في السنوات الأخيرة، وأعتقد أن كثيراً من الناس غيري لمسوه أيضاً على أرض واقعنا المجتمعي.

سأضرب لكم مثالاً، فقد كنتُ أتحرج سابقاً من مصادمة بعض المقرّبين منّي ببعض القناعات التي كنت أظن مخطئاً أنها ستزعجهم، بل وصل الحال إلى أبعد من ذلك؛ فقد ظننتُ أني قد أتعرض لردودِ أفعالٍ كبيرة ربما تسبب لي ضرراً أو تعباً أو مشاكل أنا في غنى عنها.

بدأتُ مناقشة هذا بحذر، ومحاورة ذاك بهدوء، حتى اكتشفتُ بعد مراسٍ طويلٍ ومتدرجٍ أن كثيراً منهم يتَّفقُ معي في بعض ما كنت أخشى من الحديث معه حوله، وأن بعضهم يتّفق معي في غالب قناعاتي الخاصة التي ظلّت مستترة وممنوعة من الخروج لسنواتٍ طويلة، بل وجدتُ بعضاً من ذلك البعض يتفق معي تماماً في كل ما أقول وأطرح وأشرح!!

مشكلتنا كتم القناعات دون مبرر مقبول، ومجاملة الآخرين خشيةً من ردود أفعالهم، التي قد لا تكون كما نتوقعها في كثير من الأحيان.

ما أريد أن أصل إليه هو أن ملامح وجه المجتمع السعودي الجديد، الذي سيولد قريباً، لن تكون أبداً كما يريدها ويتمناها التقليديون، بل ستشترك في تكوينه ورسم خطوط جماله مجموعةٌ من التوجهات المتباينة المتفاوتة، في مختلف المجالات، وسيكون لتيارِ المستفيقين من سبات الأوهام والأحلام نصيبُ الأسدِ من خَلْق تلك الملامح.. إننا سنشيّع عند ولادة مجتمعنا الحديث القادم -رغم أنوف الرافضين- جثمانَ مجتمعنا القديم الذي أراه اليوم كرجلٍ مسنٍ عاجزٍ يرقد على فراش موته منتظراً سكراته وساعة الرحيل، بعد أن عاثت الأمراضُ الفتاكة في جسده المنهك المستسلم الضعيف.

فأهلاً أهلاً يا مولودنا الجديد (القادم) المفعم بأملِ الحياة الطبيعية السويّة التي يتعايش على أرضها الجميع، بكل حبٍ واحترام وسلام ووئام وبهجة ونشاط، مهما اختلفت توجهاتهم ومذاهبهم وأعراقهم وأعرافهم ورؤاهم وتقاليدهم، ووداعاً أيها الوصي القديم الذي عاش وسيموت متكبراً متغطرساً مغروراً، مُصراً على احتكار كل شيء، وعلى الزعم بمعرفة كل شيء، والجزم بصحة رأيه في كل شيء، وعلى ممارسة أقسى وأفظع أشكال استعمار عقول أبناء الوطن، وفرض الوصاية عليها.

هل فهمتم الحياة..؟!

سألني مفكِّر تنويري جميل قبل سنوات هذا السؤال: هل تشعر بأنك فهمت الحياة؟ فأجبته عنه؛ فباغتني بعده مباشرة بسؤال آخر لا يقل عمقاً عن الأول قائلاً: هل ترى أن الحياة سهلة واضحة أم معقدة غامضة؟ وأجبته عنه أيضاً.

 انتقلَ الأستاذ الكبير بالسؤال إلى أشخاص آخرين في المجلس نفسه، وانقسم الأصدقاء في إجابة السؤالين السابقين إلى أربعة أقسام؛ فمنهم من أجاب عن السؤال الأول بقوله: نعم، فهمت الحياة. وهؤلاء أجاب غالبهم عن السؤال الثاني بقولهم: الحياة واضحة سهلة. أما القسم الثاني فكان جوابهم: لا، لا أشعر بأني فهمتها. وأجاب أكثرهم عن السؤال الثاني بقوله: الحياة صعبة، معقدة، غامضة. وهناك فئة قليلة كانت تجيب بنعم عن السؤال الأول وبتعقيد الحياة عن الثاني، وحصل العكس أيضاً في فئة أقلّ أجابت بلا عن السؤال الأول، وبسهولة الحياة ووضوحها عن الثاني!

ومما لفت انتباهي في أسلوب ذلك الصديق أنه كان لا يسترسل في النقاش مع الذي يجيب بلا وبتعقيد الحياة، ويسترسل قليلاً محاولاً فهم السبب مع من يجيب بنعم وبسهولة الحياة، ويسترسل كثيراً مع المجيبين بلا وبسهولة وبساطة ووضوح الحياة، ويسترسل أكثر مع المجيبين بنعم وبتعقيد الحياة وصعوبتها. وكان يستمتع كثيراً ويتبسم وهو يستمع لتبرير الذين استرسل معهم كثيراً دون غيرهم.

في الحقيقة لم أكن مستوعباً لكامل أهدافه، ولا لعمق مغزاه من ذلك في البداية، لكني تفهَّمتُ الموضوعَ، وأعُجبت به بعد فترة من تأمله، وربط خيوطه ببعضها، لدرجة أني أصبحت أطرح هذين السؤالين على كثير من الناس، وخصوصاً من تكون معرفتي به قريبة، وأرغب في التعرّف أكثر على عقليته وشخصيته وتوجهه وطريقة تفكيره، ولا أسترسل كثيراً إلا مع الذين يجيبون بالإجابات نفسها التي استرسل صديقي العزيز المذكور مع أصحابها في ذلك المجلس الطريف.

واليوم أريد أن أوجِّه لكم أيها القرّاء الكرام السؤالين السابقين نفسيهما:
هل تشعرون بأنكم فهمتم الحياة؟ وإذا كانت الإجابة نعم فكيف؟
وهل ترون أن الحياة سهلة واضحة؟ أم أنها معقدة صعبة غامضة؟ وإذا اختار أحدٌ منكم الخيارَ الأول (السهولة واليسر والوضوح) فأتمنى أن يشرح لنا ذلك..

الاثنين

حراكُ "حراكَ" حرَّكنا

24-10-2011  صحيفة حراك الالكترونية

لم أكترث في البداية كثيرا عندما بشرني الأساتذة القائمون على هذه الصحيفة بخبر تدشينها ظناً مني أنه موقع كأي موقع من المواقع التي تتوالى علينا أخبارها باستمرار، والتي اعتدنا على كثرتها وصخبها وندرة المميز منها، أو ما يستحق الحماس الحقيقي له.

ولكن تلك اللامبالاة لم تدم طويلا، فقد دبَّ في قلمي الحماس بعد أن اطلعت على خطة عمل الصحيفة ودوافع قيامها وأهدافها ورؤيتها المستقبلية الرصينة القادرة على المساهمة في تغيير واقعنا المرير، وبعد أن شُرحت لي تلك النقاط بإسهاب. فقد أدركت حينها جيدا أننا نقف أمام قنبلة إعلامية من العيار الثقيل، وأن هذه الصحيفة الناشئة تتميز عن كثير من أخواتها الالكترونيات بجدية القائمين عليها ورغبتهم الأكيدة في جعلها صرحا شامخا من صروح الحرية والتنوير.

أعتقد –كما فهمت- أنها أول صحيفة علمانية الكترونية سعودية، وأنها جعلت من الجرأة والحيادية و تلمس الحقيقة في نقل الخبر ونشر الرأي أسسا تعتمد عليها في حراكها.

كان ومازال عشاق الإبداع ودعاة الليبرالية ورعاتها وأتباعها ومحبوها في هذا الوطن يعانون من غياب منبر صحفي الكتروني يهتم بشؤونهم و يجمع شتاتهم، ويُعنى بنقل الأحداث التي تهمهم ومتابعتها من جهة، وبنشر طرحهم الثقافي الذي قد لا يجد مجالا للنشر في وسائل الإعلام الأخرى من جهة ثانية.

ولكن تلك المعاناة لن تستمر طويلا -فيما يبدو- بعد أن تم الإعلان عن ولادة وتدشين هذه الصحيفة التي نأمل ونطمح في أن تكون وسيلة من وسائل علاج أمراض الوصاية الفكرية والتقليد الأعمى والرقابة الشديدة لكل ما ينتجه أو يريد العقل العربي عامة والسعودي خاصة مواكبته والاطلاع عليه.

نحن سعداء بمثل هذه الخطوات الجميلة، رغم يقيني أن فيروسات الأمراض الفتاكة التي تقطن في جسد منظومتنا الإيديولوجية من أشد الفيروسات الفكرية وأعتاها وأكثرها شراسة ومقاومة للأدوية الحداثية الجديدة التي تحتاج لكثير من الإصرار وطول النفس والمثابرة والتكاتف وتضافر جهود الأحرار ليظهر مفعولها في ذلك الجسد العليل.

إن تقويض سيادة الجهل والتخلف والرجعية والإرهاب والظلام وهدم مناراتها الزائفة لن يكون سهل المنال إلا إذا وقف الأحرار من أبناء هذا الوطن أمام جيوش تلك السيادة كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا.

نبارك للقائمين على حراك حراكهم الذي حرك أقلامنا معهم، بعد أن حرك –قبل ذلك- مشاعرنا وأفكارنا وطموحنا وعقولنا، وعسى أن يكون في حركتهم بركة نقطف من بساتينها أطيب ثمار التغيير والتبصير والتنوير والتحذير والتحرير.

السبت

القصيميُّ شاعراً

3-10-2011 | جريدة البلاد

لا أعتقد أن سعودياً لا يعرف عبدالله القصيمي، بل وأعتقد أن غالب العرب وكثيراً من غيرهم يعرفه أيضاً، فالراحل قامة فكرية شامخة، وليس بحاجة لثنائي على عقليته الفذة التي ملأت أدراج المكتبات بمؤلفاتٍ مازال الخلق يسهرون جرّاها ويختصمون.

ما يهمني اليوم هو تسليط الضوء على جانب خفي قد لا يعرفه الكثير من محبيه، وهو أن القصيمي كان شاعراً متمكناً من أدواته بشكل لا يقل عن تمكنه من الكتابة نثراً، ومن أمثلة تلك الشاعرية المتوقدة قوله مفتخراً بنفسه –على الوافر- في مقدمة كتابه "شيوخ الأزهر":

إذا أنزلت بأسي في قبيلٍ.. فويلٌ للأبين وللبنينا.. أغرّ مخاصمي صغري وهزلي.. كأنَّ المجدَ في عد السنينا.. وهزلي لا أبا لك من شعوري.. وجسم الحر لا يأتي سمينا.. ومن أغبى وأغبن من عظيمٍ.. تعرض سخطتي فغدا مهينا.. ومن هاج الهزبر فليس بدعاً.. إذا يلقى بهيجته المنونا.

ومن شعره الجميل قصيدة نشرها سفيرٌ يمني كان يحتفظ بها مكتوبة بخط أبي علي، وقد جاءت على تفعيلة الرمل (فاعلاتن) وموضوعها (لبنان) التي عاش فيها شاعرنا وأحبها بعد طرده من مصر، وقد تطرق فيها لبعض الأحداث السياسية في ذلك الوقت، والأبيات طويلة اختصرتها ورتبتها فجاءت هكذا:

كنت يا لبنان زهراً.. في عباءات العروبة.. كنت يا لبنان فجراً.. في دياجير العروبة.. كنت عطراً فوق أوحال العروبة.. كنت جسراً فوق صحراء العروبة.. كنت شعراً لم تؤلفه العروبة.. كنت يا لبنان ضوءاً.. راع فئران العروبة.. كنت يا لبنان غيظاً.. لقيادات العروبة.

غاظهم فيك انتصارٌ.. قاهر كبر الزعامة.. هم أرادوك بداوة.. هم أرادوك عباءة.. لم يطيقوك حضارة.. لم يطيقوك كرامة.. هم أرادوك نذالة.. لم يطيقوك سحابة.. هم أرادوك ذبابة.. كانت القصة صعبة.. كانت الضربة ضربة.. كانت الخطة هجمة.. واضعوها همجٌ.. نفذوها بشراسة.. رفضوه أمةً.. وأرادوه عصابة.. رفضوه زهرةً.. وأرادوه قمامة.. راعهم منتصراً.. فأرادوه هزيمة.. راعهم مزدهراً.. فأحالوه حريقة.. عاقبوه حسداً.. لمزاياه الأنيقة.. لم يطيقوه جمالاً.. وأرادوه دمامة.. لم يطيقوه انفتاحاً.. واهباً للحب بابه.. بل أرادوه انغلاقاً.. وأرادوه عداوة.. لم يريدوه رخاءً.. بل أرادوه تعاسة.. بل أرادوه حماقة.. بل أرادوه بشاعة.. آهِ من عارٍ بقومي.. إنهم للعار قادة.. آهِ من سادات قومي.. إنهم مجد الجهالة.. آهِ من أمجاد قومي.. إنها أغبى رواية.. آهِ يا تاريخ قومي.. أنت عار للرواة.. أنت عار للرواية !

وله قصيدة تتجاوز الخمسين بيتاً -على البسيط- في مدح الملك عبدالعزيز، ومطلعها قوله: وقفتُ بالدار أُمري الدمع والجزعا.. على طلولِ أُهيلٍ جُرِّعـوا الضَّبعا، إلى أن يقول: قامت به دولة العلياء واتّحدتْ.. مـن بعدما لبست من ذلةٍ خِلَعا.. سهلٌ إذا جئتَه للحقِّ مطّلبًا.. صعبٌ إذا جئته للظلـم مطّبعا.. غيثٌ إذا جئته طلاَّب نائلةٍ.. صرٌّ إذا جئته للجور متّبعا.. ومن يكن صاحبًا نفسًا معظَّمةً.. يلقَ المتاعبَ في دنياه والوجعا.

صديق الفكر أثمن الأصدقاء

1-10-2011 | جريدة البلاد

علمتني الحياة أن صداقة الدراسة قد تنتهي بانتهاء الدراسة، وأن صداقة المال قد تموت بانتهاء التجارة أو المصلحة المرجوّة، وأن زمالة العمل قد تتقطع أواصرها بسبب الانتقال أو الاستقالة أو التقاعد، وأن صحبة السفر قد لا تدوم طويلاً بعد العودة منه.أما صداقة الفكر عامة وصداقة الفكر الحر المستنير في المجتمعات المقيدة المنغلقة بشكل أخص، فهي الصداقة الخالدة الشامخة المستمرة في غالب أحيانها.

ليس هناك أثمن من رفيق طريق القناعات والرؤى والآراء والمواقف والمفاهيم المشتركة أو المتقاربة في أي مكان وزمان، فكيف إذا كان هذا الصديق متفقاً معك في توجه معين في مجتمع يرفضه، أو يصفه غالب أفراده بالضلال أو الزيغ أو الفساد أو الانحراف جهلاً بحقيقته، أو عجزاً عن اللحاق بركبه، أو لعدم القدرة على فهمه واستيعابه بشكل سليم.

إن رفاق الفكر عزيزي القارئ (مهما كان توجهك) هم أكثر الناس وفاءً وصدقاً وإخلاصاً لك -في الغالب- وأكثرهم تجاوزاً عن هفواتك وصفحاً عن تجاوزاتك، فلينهمر مطر تسامحك أنت أيضا على تلك المعادن الأصيلة لأولئك الأصحاب الأحباب، ليغسل ما قد يتراكم عليها من غبار الزمن وترابه، وأعني بذلك الأخطاء التي لا بد منها، فليس هناك إنسان كامل معصوم من الأخطاء أبدا.

رفاق الفكر هم الثروة الحقيقية النفيسة التي أوصي نفسي قبل أن أوصي الآخرين بأهمية المحافظة عليها، وعدم التفريط بها، مهما كانت الأسباب، وإذا كان القول المأثور يقول (التمس لصديقك سبعين عذراً إذا أخطأ) فصديق المنهج والمسار يستحق التماس آلاف الأعذار له عند ظهور خلل أو حصول زلل.

من السهولة أن تجد صديقاً تقضي معه وقتاً جميلاً، ولكن الصعب هو أن تجد مجموعة من الأصدقاء المتفقين معك في وجهات النظر لتقيم معهم العلاقات الوثيقة الثابتة، ليشاركوك حياة الغربة الفكرية إن صح التعبير، فإذا وجدتهم فغض الطرف عن هفواتهم، وعض على صداقتهم بالنواجذ، وتمسك بها أشد التمسك، وأعلم أنها قد لا تتكرر بسهولة.

قال لي أحد الزملاء الذين يتفقون معي في تفضيل العزلة - أحياناً - على التواصل الاجتماعي المطلق أو غير المنضبط: إن استمرار الصداقات الحقيقية الجادة الدائمة الوفية في هذا العصر المادي التقني الغارق في ضغوط الحياة أمرٌ صعب المنال، فقلت له: أتفق معك في ذلك؛ باستثناء صداقة الفكر، فقد علمني العقد الأخير من حياتي الماضية أنها أصدق العلاقات وأكثرها جدية ومتعة ووفاءً وقدرة على الدوام.

الخميس

الحب قبل الزواج

28-09-2011 | جريدة البلاد

لا يشاهد الزوج السعودي زوجته إلا في غرفة النوم ليلة الدخلة، باستثناء نظرة الخطوبة السريعة، والتي مازال بعض أولياء أمور النساء يتهرب منها، أو يسمح بها بطريقة تعسفية غليظة وبشكل مختل ناقص، أو يرفضها نهائياً كما حصل لبعض من أعرفهم جيداً عند تقدمهم بالخطبة للأسف الشديد، وحتى هذه النظرة الوحيدة لا تستمر –غالباً- إلا دقائق معدودة وفي جو عسكري مكهرب، وبمتابعة دقيقة من الحرس المرافق لزوجة المستقبل.

يتحدث الكثيرون عن أسباب انتشار الطلاق في مجتمعنا، والذي بلغ أرقاماً مخيفة تجاوزت المعدلات المعقولة أو المقبولة في المجتمعات السوية، ويغفل هؤلاء أو يتجاهلون -عمداً- قضية ضرورة التعارف الكامل بين الزوجين بشكل جيد وعميق قبل الزواج بفترة كافية، والتي هي الأساس الأول لنجاح الزواج واستقراره واستمراره في وجهة نظري، وكما يقول المثل الشعبي (العود على أول ركزة) فماذا ننتظر من أسرة يركز عودها بطريقة مائلة خاطئة مخالفة للفطرة السوية عند بداية تأسيسها؟.

أنا لا أطالب بالسماح بالعلاقات التي يصفها البعض بالمحرمة بين الجنسين قبل الزواج، فللعرف الاجتماعي المقيد بثوابت الدين الحنيف تقديره واحترامه، بغض النظر عن القناعة أو المعارضة لبعض ما فيه، بل وأعلم أنه يجب التأكيد على كل امرأة بضرورة التأكد من جدية المتقدم للارتباط بها، قبل الانخراط معه في التعارف القوي الجاد الذي لا بد منه.

ولكن إمساك العصا من المنتصف أيضاً ضرورة حتمية ومطلب ملح في ظل هذا الفشل الذريع لما يقارب نصف حالات الزواج في المملكة، وحتى النصف الآخر –الذي لا ينتهي بالطلاق- فإنه لا يخلو في كثير من أحيانه من المشاكل الضخمة والعقبات الكؤودة التي تعكر صفوه وتتسبب في مشاكل نفسية كبيرة لطرفيه، واسألوا إن شئتم الأطباء النفسيين عن عدد الأزواج الذين يقصدون عياداتهم للعلاج من الأمراض النفسية المتعلقة بنصفهم الآخر ذكوراً وإناثاً، وفي جميع مناطق المملكة دون استثناء.

إن النواة الأولى لتكوين الأسرة المستقرة هي وجود الحب والمودة والتآلف والتفاهم والقبول والارتياح النفسي بين الزوجين وهو ما أكده القرآن بقوله (وجعل بينكم مودة ورحمة).

فكيف يتحقق ذلك في علاقة لا تبدأ إلا في غرفة النوم ليلة الدخلة؟!

هيبة دهاليز المجهول.!

26-09-2011 | جريدة البلاد

إن جميع تحولات الإنسان وتبدلاته ووداعاته ونهاياته ناقصة، إلا الوفاة فإنها التحول الكامل والوداع النهائي الكلي الوحيد الأكيد، ولذلك يهرب الناس منها ويخشونها ويهابونها، ويبذلون أقصى ما بوسعهم لتجاهلها وتناسيها والفرار منها؛ بكل ما يملكون من وسائل الترفيه وأسباب العلاج وأنواع الغذاء وأدوات الصراع من أجل البقاء.

إن كل تغيّر أو تغيير ضخم هو انتقال من طور إلى طور آخر، وكل الانتقالات الكبيرة مخيفة ومرعبة وشاقة على الإنسان؛ لأن الجديد مجهول غامض والقديم مألوف محبوب؛ ولذلك يخاف الإنسان من الموت ومن كل تغيير عظيم مشابه له، أو قريب من حجمه، مهما كانت مبرراته و دوافعه وعوامله.

ولذلك يجد الإنسان في مفارقة قناعاته ومسلماته وأفكاره وموروثاته، وكل ما قد اعتنقه وورثه واعتاد عليه من الصعوبة والذعر والألم النفسي حداً لا تطيقه إلا قلة قليلة من البشر، وهذا هو السبب الخفي والسر الجوهري لثبات الناس على عاداتهم وتقاليدهم ومناهجهم التي صُقلت نفوسهم عليها، وما يدخل تحت هذا الصقل من التصورات والرؤى والأفكار والقناعات، سواء الأخلاقية أو الاجتماعية أو الثقافية أو غيرها، حتى ولو اقتنع بعضهم بخطئها، أو بوجود ما هو أفضل أو أكمل منها.

الناس لا يحبون الطبيب الصادق معهم في تشخيص أمراضهم، بالقدر الذي يحبون فيه الطبيب المراوغ الذي يكذب عليهم ويستغفلهم ويخادعهم، والذي يقدم لهم المسكنات والمهدئات دون إخبارهم بحقيقة الداء الذي يعانون منه ولو كان عضالاً، وهذا هو العامل الحقيقي لازدهار أسواق الجهل والأساطير والخرافات والأوهام التي لا يستطيع الربح فيها إلا من يتقن أدوات اللعبة.

ولكل ما سبق ذكره أجدني دائماً متفهماً لرفض الآخر ومصادمته ونبذه إذا كان يحمل فكراً مخالفاً للعرف الفكري العام في مجتمع ما، حتى لو شعر الرافضون له أو المتصادمون معه أن طرحه صحيح وسليم ومدعوم بالحجج العقلية والأدلة والبراهين الكثيرة الصائبة، ودون النظر بعين العقل أو محاولة التأمل في ذلك الطرح الحديث.

إن معارضة المجتمع لفكرة «كبيرة» معينة، أو لمنظومة أفكار ضخمة مترابطة، لا يستلزم بالضرورة اقتناع الرافضين بخطأ تلك الفكرة أو المنظومة، بل هو الخوف من التغيير والتحول والانتقال من المعروف المحبوب إلى الغريب الغامض، أو الخوف من أن يكون التسليم بصحتها باباً للدخول في عالم المجهول ودهاليزه المهابة التي يخافها الإنسان كما يخاف من الوفاة والانتقال إلى ما بعدها أو إلى المثوى الأخير.

http://www.albiladdaily.com/articles.php?action=show&id=10594

الثلاثاء

وارفعي الخَفّاقَ أخضَرْ

24-09-2011 | جريدة البلاد

تتراقص كريات الدم الخضراء في أجسادنا فرحاً وابتهاجاً بحلول عيدنا الوطني المجيد، فتتحرك برقصها أعضاؤنا رجالاً ونساءً وأطفالاً للتعبير عن هذه الفرحة الغامرة؛ بمختلف الطرق والأساليب الممكنة، وبتنافس محموم نراه في كل مكان هذه الأيام، وكأنَّ الناس في حلبة سباق كبير يتسابقون فيها للتعبير عن مشاعرهم الوطنية في عرس الوطن.

فهذه تنظم قصيدة، وذلك يلقي كلمة، وهذا يرسم صورة، وتلك تكتب مقالاً، والآخر يعزف طرباً، والأخرى ترقص فرحاً، والجميع يرفعون الرايات الخضر الشامخة، معلنين الحب والولاء لهذا الوطن العزيز، والسمع والطاعة لولاة أمره، والتقدير والتبجيل لمؤسسه الراحل العظيم.

وكل هذا جميل ورائع؛ ولكنه لا يعني ولا يستلزم أن الجميع راضون عن كل النواحي في بلادنا، فالخلل موجود ومستشرٍ ومتشعب، والتقصير كبير ومتعدد، كما هو الحال في كثير من دول العالم، فلا وجود لبلد بلا أخطاء ومشاكل أبداً، ولكن الدول الناجحة هي التي تستطيع رسم إستراتيجيات الإصلاح الحقيقي بشكل جاد دقيق مثمر، يحقق الهدف المنشود منها، وهذا ما نرجوه ونتمناه وسيتحقق في بلادنا؛ بتضافر جهود الجميع، وتعاضدهم مع قيادتهم الرشيدة.

ارفعوا شعار محاربة الفساد في كل مكان ترفعون فيه أعلام الوطن، فقد بلغ الفساد المالي والإداري حداً ملاحظاً، وارتفعت أعداد العاطلين، وأصبحت أخبار الجريمة تتصدر وتملأ صحفنا صباح كل يوم، وعاثت أصناف المخدرات في عقول شبابنا وأجسامهم تدميراً وفتكاً وإهلاكاً، وزاد عدد الفقراء في كثير من المناطق، وتضاعف تسلط بعض المتشددين على الناس على كافة الأصعدة، وأصبح الخوف والهلع ملازماً لسكان بعض المدن، عند إحساسهم بقرب نزول المطر الذي يفترض أن يكون نزوله سبب بهجة وسرور.

ولن أنسى الخدمات الصحية التي لا تستطيع الحصول عليها بشكل كامل وسليم ، وغير ذلك من صور القصور التي سأكتب عن رأيي فيها في مقالات مفصّلة قادمة.

ومن أجدر النقاط بالإشارة هنا أننا نحتفل بيومنا الوطني ونحن نشاهد الشعوب من حولنا غارقة في بحار الدم، نتيجة لانفراط عقد الأمن الذي يخلق بانفراطه -الذي لن يحدث أبداً في بلادنا- جميعَ صور الفوضى العارمة التي تحرق نيرانها الأخضر واليابس.

إن مفاتيح السلام والوئام في مجتمعنا مرهونة بتماسك جبهتنا المحلية، وتعزيز لحمتنا الوطنية، بشكل يكفل للجميع –باختلاف أعراقهم ومذاهبهم الفكرية والعقدية- الاستقرار والراحة، تحت مظلة القانون العادل الشامل الكامل الذي يحترمه ويذعن له الجميع.

كل عامٍ وأنتِ بخير يا بلاد الشموخ والرفعة والفخر والكبرياء والإباء، وكل عام وأهلك الأحرار الأبرار في أجمل حال وأرفع منزلٍ ومكان.

ودامَ عزك أيها الموطن الذي لو شُغلنا بالخلد عنه لنازعتنا إليه في الخلد نفوسنا شوقاً وحنيناً لثراه الطاهر الثمين.

كيف لا وهي الأرض التي ولدنا وترعرعنا فيها، ونعمنا من خيرها، وأحببنا صنّاع تاريخها، ومات عليها ودفن في جوفها الأحباب والآباء والأجداد.

http://www.albiladdaily.com/articles.php?action=show&id=10577

عبثُ الوافدين وجنسياتهم

21-09-2011 | جريدة البلاد

هو اقتراح أضعه على مكاتب المسؤولين عن الاستقدام والأجهزة الأمنية في بلادنا، وكلي أمل أن يجد القبول الذي ينتهي بالتطبيق العملي النافع الذي قد يقضي على استفحال جرائم العمالة الوافدة، أو يحد منه على أقل تقدير.

الاقتراح هو أن تقوم الجهات الأمنية برصدٍ دقيق لجرائم العمال، ثم تربط تلك المخالفات -مهما كان نوعها وحجمها- بجنسياتهم، وتقوم بعد ذلك بترتيب الجنسيات حسب عدد الجرائم (الأكثر فالأقل)؛ ثم ترفع النتيجة للجهات المسؤولة عن إصدار تأشيرات استقدامهم.

ويأتي بعد ذلك دور جهات الاستقدام، بزيادة نسبة التأشيرات للجنسيات الأقل ارتكاباً للجرائم والتجاوزات المضرة بالمجتمع، وتقليل نسبة التأشيرات الممنوحة للجنسيات الأكثر إجراماً وتخريباً وعبثاً، أو إيقافها نهائياً إذا ظهر ارتفاع كبير في عدد الجرائم والمخالفات النظامية المختلفة المسجلة ضد حملتها، واستبدالهم بعمال آخرين أكثر انضباطاً واحتراماً لقوانين الوطن وأعرافه والآداب المرعية فيه.

إن الحاجة ماسة والضرورة ملحة لتطبيق هذا الأمر، الذي أعتقد –في وجهة نظري- أنه قد يكون حلاً فعالاً وعلاجاً ناجعاً، لكثير من المشكلات التي يقوم بها الوافدون للمملكة بقصد العمل.

ولا أرى مانعاً يحول دون تطبيق هذه الفكرة وبأسرع وقت ممكن؛ فالجنسيات المحتاجة للعمل كثيرة، والخيارات أمامنا عديدة، وتطبيق هذا الاقتراح سهل ميسر في ظل تقدم تقنية المعلومات ووسائلها الحديثة القادرة على الرصد والعد والترتيب بشكل آلي دقيق وسريع.

إن الدافع لكتابة هذا الموضوع هو ما نشاهده جميعاً على أرض الواقع من ارتباط كثير من الإساءات الضارة للناس بجنسيات معينة دون أخرى؛ فلو سألت مجموعة من المواطنين السعوديين عن الجنسيات التي يلاحظون عليها كثرة الخلل السلوكي العام أو الزلل الوظيفي المقصود والمتعمد، لوجدت الإجابات تدندن حول جنسيات محددة عُرف عنها الاستهتار واللامبالاة.

ولو أجريت –في المقابل- استفتاء آخر عن أفضل الجنسيات تعاملاً وخلقاً وانصياعاً واحتراماً لقوانين هذا الوطن وأنظمته وأعراف أهله؛ لوجدت الإجابات أيضاً تدور حول جنسيات محددة طيبة السمعة بين الناس ومحبوبة ومرغوبة أكثر عند المواطنين والمقيمين على حد سواء.

لقد طفح الكيل من عبث بعض الجنسيات المعروفة للجميع، وإن لم نصرح بها، فقللوا -إذا سمحتم- من عدد الفيز الصادرة لهم، أو أوقفوها، وأبدلوها بما هو أنفع وأسلم لنا.

http://www.albiladdaily.com/articles.php?action=show&id=10555

أقسم بالله العظيم

19-09-2011 | جريدة البلاد

 أقسم بالله العظيم، على كتابه الكريم، أن أكون مخلصاً لله، مجاهداً في سبيله، عاملاً بشريعة الإسلام؛ مطيعاً لمليكي، مدافعاً عن وطني بكل ما أملك من وسائل، وأن أكون سلماً لمن سالمهم، وحرباً على من حاربهم؛ منفذاً جميع أوامر رؤسائي في غير معصية الله، محافظاً على سلاحي فوق كل أرض وتحت كل سماء؛ والله على ما أقول شهيد».

ذلك هو نص القسم الذي يؤديه كل خريج من مؤسساتنا العسكرية المختلفة، قبل أن ينخرط في معترك العمل، ويخوض في خضم الواجب، ويتم القسم عادة في جو مهيب، يجتمع فيه عدد معين من القادة والمسؤولين والضيوف وغيرهم، وترتفع فيه أصوات المقسمين القابضين على القرآن الكريم، كتأكيد على قوة ذلك القسم ووجوب الالتزام والوفاء به.

ولكن المواطن الذي يتعامل مع هؤلاء الخريجين بعد تخرجهم واستلام وظائفهم لا يجد -في كثير من الأحيان- ما يدل على الوفاء بهذا القسم العظيم؛ بل وقد يجد ما يدل على عكس ذلك تماماً من التفريط بالأمانة، والتقصير في العمل، والعزوف عن القيام بالواجب بالشكل المفترض والمأمول.

ولن أسهب في تعداد صور ذلك التقصير واستعراض أشكاله وألوانه في القطاعات الأمنية؛ لأن الصورة أصبحت واضحة –للأسف الشديد- ولا يمكن تجاهلها واستمرار السكوت عن بيانها، مهما حاول البعض تغطية ذلك الخلل أو التبرير له، فالشمس لا يمكن أن تحجب بغربال أبداً.

سأكتفي هنا بطرح سؤال سيختصر الكثير من الكلام، وسيكون خاصاً بجهاز الشرطة، باعتباره هو الأهم -في نظري-؛ لأنه الأساس الأول في أمن الوطن واستقراره، وما ينتج عن ذلك الاستقرار من نجاح وتقدم وازدهار.هل يجد المواطن أو المقيم عند الإبلاغ عن جريمة معينة أو خلل أمني معين تجاوباً سليماً وسريعاً من الشرطة (ينتهي بالقبض على مرتكب الجريمة) وحصول المتضرر –وهذا هو الأهم- على حقه المادي والمعنوي المشروع؟ وأقصد طبعا بالمواطن في السؤال السابق (المواطن البسيط الذي لا يملك من النفوذ أو القوة أو الواسطة أو الرشوة أو غيرها من الوسائل التي يخجل الإنسان من كتابة بعضها والتفصيل فيه).

قد يجيب البعض عن السؤال السابق بقوله: نعم قد يحصل بعض المواطنين والمقيمين على حقوقهم، وهنا يطرح سؤالٌ آخرٌ نفسه وبقوة: كم نسبة أولئك الحاصلين على حقوقهم من عدد المتقدمين بالشكاوى؟ وهل تلك النسبة بعد تحديدها تدل على أن الوضع الأمني مستتب ويسير في الاتجاه الصحيح؟ أم أن العكس هو الصحيحَ؟

إن من المؤسف جداً أن تجد أعداداً كبيرة من المقسمين، يخالفون ما أقسموا عليه، سواء بالتكاسل عن القيام بالعمل وتأخيره وتسويفه، أو بالاستهتار بالمدّعي –كما يحدث كثيرا- عند التقدم بشكوى معينة، خصوصاً إذا كان بلاغه تافهاً في نظرهم، كسرقة جواله أو جهاز التسجيل في سيارته أو إطارها أو أنبوبة غاز، أو غير ذلك من المسروقات التي تزدهر أسواقها في السنوات الأخيرة، أو (تعرضه لتهديد)، أو مطالبته (بحق خاص)، رغم أن ذلك البلاغ التافه في نظر سعادة العسكري قد يكون أمراً كبير القيمة عند صاحبه المسكين.

وقس على جهاز الشرطة بقية الأجهزة والقطاعات الأمنية التي يتعامل المواطنون والمقيمون معها؛ فهل يجد المتعامل مع المرور أو الجوازات أو الدفاع المدني أو أمن الطرق أو جهاز المباحث أو غيرها من القطاعات، تعاملاً سليماً قائماً على أنظمة واضحة ومعلنة، يخضع لها الجميع بدقة ودون تفرقة أو تمييز أو محاباة؟.

إن حديثي السابق لا يعني ولا يستلزم بالضرورة أن غالبية رجال الأمن مقصرون أو فاسدون، ففيهم-وبلا شك- الكثير من المخلصين القائمين بواجبهم على أكمل وجه، ولكن نسبة المفرّطين في الأمانة كبيرة أيضاً، ولا بد من إيقافهم عند حدهم، وإصلاحهم أو استبدالهم بغيرهم لكي لا تنتشر عدوى اللامبالاة والتلاعب بينهم.

إن من يشاهد انتشار الجريمة وتنامي الفوضى بمختلف صورها في مجتمعنا في ظل هذا التقاعس الكبير من بعض أفراد الأجهزة الأمنية، لابد أن يتبادر إلى ذهنه هذا السؤال:

أين ذهب ذلك العهد والقسم والميثاق الغليظ الذي أخذه رجال الأمن على أنفسهم عند تخرجهم؟.

http://www.albiladdaily.com/articles.php?action=show&id=10538

الفنون وسقف الحرية

17-09-2011 | جريدة البلاد

عندما يُمنع عازف الجيتار الإسباني (كارلوس بينانا) والموسيقار العربي العالمي (نصير شمة) من إقامة حفلهما في المنطقة الشرقية، خلال احتفالات عيد الفطر الماضية، بعد أن تم الإعلان رسمياً عن الموعد المحدد في وسائل إعلامنا المحلية؛ بسبب تدخل بعض المحتسبين المقتنعين بوجهة نظر فقهية معينة.

وعندما يتجه العشرات من الأدباء والمفكرين وغيرهم من الكتاب السعوديين للخارج سنوياً؛ لنشر كتبهم ودواوينهم التي لا يُسمح بطباعتها داخل أوطانهم؛ لأنها تحمل في داخلها أفكاراً تخالف توجه بعض محبي فرض قناعاتهم على الآخرين.

وعندما نشاهد أجمل وأشهر المسلسلات السعودية الرمضانية وغيرها من الأعمال على غير قنواتنا التلفزيونية؛ لأن قيود الرقابة -المتكلفة والمبالغ فيها- حالت في سنوات ماضية دون البث الحُرِّ لما يريد أصحاب تلك الأعمال بثه دون قيود.

وعندما يتجه رسامو الكاريكاتير السعوديون لمواقع الانترنت، أو لصحف خارجية، لنشر بعض رسوماتهم التي منعت من النشر في صحافتنا؛ لأنها تحمل دلالات معينة لا تستطيع المرور أمام مقص الرقيب. 

وعندما يقف البعض حجر عثرة في طريق الفن والإبداع في مهرجانٍ فني وطني كبير كمهرجان الجنادرية، دون مبرر سائغ أو عذر سليم، مستهدفين بوقوفهم السلبي كثيراً من المناشط والفعاليات التي يقوم بها في هذا المحفل أبناء الوطن وغيرهم من الضيوف الذين يزورون هذا المهرجان في بلادنا سنوياً؛ ثم يعودون بعده إلى أوطانهم وفي جعبتهم الكثير من المشاهدات والأخبار والانطباعات التي ينقلونها لشعوبهم عن المملكة وحضارة شعبها وتراثه وثقافته.

وعندما تُصادَر وتطمس كثير من اللوحات الجميلة والصور المختلفة في متاجرنا ومكتباتنا، بسبب خروجها عن الإطار الإيديولوجي الذي يريده ويتبناه من قام بمصادرتها أو تشويه ملامح الفن فيها.

عندما يحدث ذلك كله وغيره الكثير، ويتكرر باستمرار في بلادنا، نجد أننا أمام سؤال مهم لا بد علينا من تكراره وبصوت مرتفع، ولا بد من جميع الجهات المسؤولة الإصغاء له وتأمله جيداً قبل الإجابة عنه، إذا أردنا لهذا الوطن التقدم والنجاح والمنافسة في جميع المجالات الفنية والثقافية والسياحية والحضارية المختلفة .. إلى متى ولماذا ولمصلحة من يبقى سقف حرية الفن والرأي والإبداع الثقافي والفكري منخفضاً في بلادنا؟.

يجب أن تُوقف جميع أشكال وأساليب الوصاية والرقابة التي يمارسها البعض على الناس في جميع المجالات عامة، والفني الإبداعي منها خاصة؛ لأن التعسف والعناد والمبالغة فيها وزيادة التركيز عليها، قد يضطر الكثير من الفنانين والمبدعين إلى الانفجار في الاتجاه المعاكس، وبشكل مبالغ فيه أيضاً، كردة فعل لما يُمارس ضدهم، وهذا ما يفقد المجتمع توازنه واعتداله الطبيعي، الذي ينبغي أن يعيشه كما تعيشه جميع المجتمعات السوية في العالم.

إن لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه، كما تقول تلك النظرية الفيزيائية الشهيرة، التي قد نفهم عند تطبيق مفهومها على واقعنا الفكري والمجتمعي سبب الكثير من الظواهر الغريبة التي نشاهدها تنمو وتتصاعد وتنتشر بيننا انتشار النار في الهشيم.

أليس من الجميل أن تتعايش جميع الأطياف الفكرية في أجواء عليلة من المحبة والألفة والفرح والسلام والوئام، وبصورة تكفل لكل إنسان حقه في العيش وفق قناعاته وبالطريقة التي تناسبه، دون أن يعكر بعضنا صفو حياة البعض الآخر؛ حتى وإن اختلفنا في قليل أو
كثير من الآراء ووجهات النظر؟!
 

الخميس

الأندية الأدبية وإشكالية التصويت

13-09-2011 | جريدة البلاد

شرفتني جريدة البلاد بتمثيلها في مؤتمر انتخابات الأندية الأدبية الذي عُقد في مركز الملك فهد الثقافي برعاية وكيل وزارة الإعلام للشؤون الثقافية الدكتور ناصر الحجيلان مساء السبت الماضي.

أسعدتني في هذا المؤتمر أمورٌ كثيرة منها قول الدكتور ناصر: إن وزارة الإعلام (ليس لها توجه أيديولوجي معلن)، يقف مع فكر ضد فكر آخر في هذا الوطن، فليس للوزارة مصلحة في فوز أحد أو خسارة أحد.


ومن الأمور الجميلة أيضاً أن نتائج التصويت في التجربة الافتراضية التي قمنا بها في المؤتمر انتهت بفوز (ثلاث مرشحات فرضيات) بالمراكز الأولى، رغم أن عدد المنافسين المرشحين من الرجال يتجاوز العشرة، وهذا مؤشر جيد على رغبة المجتمع في نجاح المرأة السعودية ودعمها، وتقليدها مناصب قيادية في الأندية الأدبية وغيرها.

وقد انقسم المشاركون في المؤتمر إلى قسمين، فقسم ما زال يصر على العودة إلى (التصويت الورقي) بعد الإشكالات الكثيرة التي حصلت في انتخابات بعض الأندية كنادي الأحساء ونادي تبوك، وقد وجد هؤلاء أمامهم شاهداً حياً يؤيد مطلبهم، فقد استغرقت التجربة الافتراضية وقتاً طويلاً، وتمت إعادتها أكثر من مرة، بسبب عطل بعض الأجهزة الموزعة على الضيوف، وعدم فهم طريقة التصويت من البعض، وكثرة الصخب والمداخلات العشوائية في القاعة، وغير ذلك من أشكال سوء تنظيم التصويت. والقسم الآخر ما زال مقتنعاً بجدوى التصويت الآلي، رغم كثرة السلبيات التي استعرضتها الصحافة في مقالات وأخبار كثيرة خلال المرحلتين التجريبيتين السابقتين من تلك الانتخابات، ورغم ما شاهدوه على الواقع –في هذه التجربة الفرضية- من صعوبة القيام بهذا الأمر بشكل يضمن العدالة والنزاهة وسلامة النتائج من الخلل.

استمر هذا الانقسام حتى جاءت مداخلة إحدى الإعلاميات، والتي أعتبرها (مربط الفرس) في هذا المؤتمر حيث أبدتْ رأياً ثالثاً جميلاً جداً، وهو تخصيص موقع للتصويت على الانترنت، معتبرةً ذلك هو الحل العملي والأفضل الذي يقضي على كل جوانب القصور. إلا أن مدير عام الأندية الأدبية الأستاذ عبدالله الكناني رد عليها بأن ذلك سيفتح الباب للتلاعب، حيث يستطيع المصوت الإدلاء بصوته أكثر من مرة، والتحايل على النظام ببعض الأساليب، كتغيير أماكن استخدام الانترنت مثلاً؛ وهنا وجدتُ نفسي راغباً في المداخلة التي ذكرتُ فيها تأييدي الكامل لرأي الزميلة التي اقترحت التصويت عبر الشبكة العنكبوتية، ووضَّحتُ في مداخلتي أن هناك كثيراً من الحلول التقنية تمنع المصوّت من التحايل أو تكرار التصويت لمرشَّحه، بحيث يكون لكل منتخِب معرِّف ورقم سري خاص به (لا يستطيع من خلاله التصويت إلا مرة واحدة فقط).

ومن الجميل في المؤتمر أن الدكتور الحجيلان أعلن للجميع أنه استأذن معالي الوزير في السماح للأندية الأدبية التي ترغب في الاستغناء عن لجنة إشراف الوزارة، وذلك بإجراء الانتخابات ومراقبتها والإشراف عليها بالطريقة التي تختارها، ثم تقوم بتسيلم النتائج بعد ذلك للوزارة، وأعتقدُ أن هذا هو الرأي السليم؛ فكل نادٍ أدبي أعرف بطبيعة رواده، وبالطريقة التي تناسبهم في الانتخابات التي لا بد من استمرار نجاحها والقضاء على سلبياتها؛ لأنها تمثل الطبقة النخبوية المثقفة في المملكة، وحتى لا تمتد تلك الإشكالات إلى انتخابات أخرى كالانتخابات البلدية أو غيرها في المستقبل.

الاثنين

شذوذ العباقرة !

11-09-2011 | جريدة البلاد

يربط البعض العبقرية بالوراثة، ويراها البعض الآخر مرادفة للجنون أو مرحلة أولى من مراحله.أما العرب قديماً فقد جعلوا المبيت في "وادي عبقر" غايةً يسعى إليها الشاعر للحصول على تأييد قرين من الجن يلقنه، وقد أورد صاحب الجمهرة وغيره قصصاً لا حصر لها في ذلك. ومن التوافق اللفظي الجميل أن أحرف كلمة العبقرية في اللغة الانجليزية متوافقة مع أحرف كلمة (جني) العربية وهو genius ومعناه المسكون بالمارد.

أما ارتباط العبقرية بالشذوذ فله شأن آخر وحديث ماتع، فقد تواترت الروايات عن شذوذ نوابغ وعظماء البشر، وليس الأمر مقصوراً على الشذوذ الجنسي الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ للوهلة الأولى، بل أقصد الشذوذ بمفهومه العام الذي لا أظنه يحتاج إلى كثير شرح، فهو مخالفة السائد والمألوف.

فلو تأملنا في شخصيات كثير من العباقرة والمشاهير والنوابغ لخرجنا بنتيجة مفادها وجود قاسم مشترك يجمع بينهم غالباً، وهو ما قد يصفه البعض بالعلل العقلية أو الخلقية، أو التصرفات الغريبة، أو الأمراض النفسية أو التوجهات الشاذة.فمنهم من جمعهم "جنون العظمة" كالمتنبي وهتلر وكاليجولا وأبي جهل وصدام حسين وستالين وآرثر شوبنهور ونابليون وموسوليني ونيرون وغيرهم.


ومنهم من جمعهم الشذوذ عن المتعارف عليه "بترك الزواج" كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن جرير الطبري وأفلاطون وإسحاق نيوتن والإمام الزمخشري وكانط وبيتهوفن وسيد قطب وسارتر وغيرهم، فقد عاش هؤلاء العظماء عزاباً طيلة حياتهم.


ومنهم من شذَّ عقدياً، كالنبي الكريم محمد الذي شذَّ عن مجتمعه شذوذاً جميلاً ذكيا ديناميكيا، فقد اعتزل قومه وترك معتقداتهم الشركية، وخالف مجتمعه العابد للأوثان، وانقطع في غار حراء، فأكرمه ربه برسالته الخالدة الذكية التي اعترف بعظمتها مكذبوه قبل مصدقيه، بل وقد حظي جانب ذكاء النبي الشاذ عن عقيدة قومه بنصيبٍ وافر من البيان، ويأتي على رأس ذلك كتاب العقاد الشهير الذي جعل عنوانه "عبقرية محمد".

ومن الشاذين عقدياً أيضاً عبدالله القصيمي الذي شذَّ في اتجاه آخر تراه الأكثرية منا شذوذاً سلبياً، رغم أن ذلك التحول -الذي يصفه البعض بالانتكاس- صنع لنا ثورة أنتجت ثروة فكرية هائلة ما زالت تثير الجدل الواسع حولها حتى اليوم.

ومن النوابغ من كان مثلياً كسقراط ودافنشي وتشايكوفسكي وأبي نواس وأوسكار وايلد ولورانس العرب والاسكندر الأكبر وشكسبير وبايرون وغيرهم الكثير؛ وقد أوردتُ أمرهم هنا –رغم سلبيته- كشاهدٍ على الموضوع فقط. ومنهم من كان شذوذه خَلْقيا لا إرادة له في حصوله، وأعني بذلك تحديداً (دمامة الوجه وقبح الصورة) كالحطيئة والجاحظ وتولستوي وغيرهم.

تلك الأسماء ليست إلا قطرة في بحر الشخصيات المخالفة للسائد والمعروف –إن صح التعبير- وهناك شذوذات متفرقة أخرى لا تنتهي؛ ومن الطريف في ذلك مثلاً قصة الأديب الكبير عباس العقاد وكلبه "بيجو" فقد كان يصطحبه معه في رحلاته بالقطار بين القاهرة والإسكندرية فترة طويلة، وكان يحبه ويهتم بمشاعره بشكل مفرط، وكتب فيه المقالات التي كان آخرها مقال في رثاء هذا الكلب بعد وفاته، وللأديب توفيق الحكيم أيضا مع حماره قصص وأحداث غريبة، ومجموعة من الكتابات التي تدور حولها بعض علامات الاستفهام والتعجب.

ومن الخطأ –في رأيي- اعتقاد البعض أن درجة الذكاء العالية في شخصٍ ما، كفيلة بوصول سفينته إلى برِّ الإبداع الفريد، والنبوغ المتميز، والعبقرية الملموسة النتائج على أرض الواقع. والصواب أن الذكاء لا يُحقق ذلك الوصول إلا إذا ارتبط بدوافع إنجاز قوية، وظروف اجتماعية ومادية ونفسية، قد يكون بعضها ظاهراً للعيان جلياً سهلاً؛ وأكثرها عكس ذلك، وقد يكون الشذوذ نتيجة حتمية لتمازج تلك الدوافع والظروف الغامضة -وبشكل معقد- على المدى البعيد في كثير من الأحيان.

عزيزي القارئ
لا تبتئس إذا وجدتَ فيك ما يصفه الناس بالشذوذ أو الغرابة أو القبح أو الانحراف أو حتى الجنون.
بل يجب عليك أن تفرح؛ لأن ذلك سرٌ من أسرار الطاقة العبقرية.

http://www.albiladdaily.com/articles.php?action=show&id=10465

الخميس

العيد الذي نريد

07-09-2011 | جريدة البلاد

انتهى عيدنا الكئيب الذي مرَّ ثقيلاً على غير الهاربين للخارج، كما هي طبيعته المحزنة المؤسفة في كل عام.

لا نريد عيداً نتناول في صباحه (مفاطيح اللحوم) المشبعة بكميات عالية من الكولسترول والدهون مع كميات أخرى من الحلويات والكافيين على مِعَدٍ خاوية دون مبرر سليم، ثم نلقي ببقية الطعام الذي يتجاوز غالباً أضعاف ما أكلناه في سلال المهملات.

لا نريد عيداً نضيع أيامه ولياليه في تلك التمثيليات الاجتماعية المتتالية والمزعجة -بكثرتها الزائدة عن الحد- ورتابتها، وتلون وتشكل أزياء الناس النفسية فيها، والأقنعة التي يلبسونها، والمبالغة في القبلات والسلامات التي تختلط فيها الأنفاس الناقلة للفيروسات والأمراض، مجسدين بذلك أعجب وأطرف صور النفاق الاجتماعي والتخلف الحضاري المعاكس لروح العصر.

لا نريد عيداً تضيء فيه أنوار الزينة الشوارع، وتظلم معه قلوب المواطنين والمقيمين المحرومين من المظاهر الطبيعية للعيد الذي يُفترض أن يكون سعيداً!.

لا نريد عيداً ينطلق شبابنا فيه للتسابق بسياراتهم في الشوارع، والتجمع في مقاهي الشيشة وغيرها، لغياب البديل المناسب من جهة؛ ولأنهم يُمنعون من الدخول إلى غالب الفعاليات بحجة أنها للعائلات، رغم أنه يسمح كما شاهدت بعيني للشباب العزاب (غير السعوديين) من الدخول وبكل سهولة، ورغم أنه لا يوجد مبرر سليم للفصل بين الجنسين أصلاً بهذه الطريقة المرعبة التي لا توجد إلا في بلادنا فقط، والتي كانت وما زالت ولن تظل عائقاً عالياً وشائكاً من عوائق التنمية والتطور والتقدم الحضاري في مختلف المجالات.

نريد أن نحتفل بعيدنا كما تحتفل جميع الشعوب بعيد رأس السنة الميلادية مثلاً، أو بعيد الحب الذي تُصادر فيه الورود الحمراء من أسواقنا!، ونريد في أيام العيد (كرنفالاً عظيماً) يليق بهذا الوطن، وينافس أشهر الاحتفالات العالمية، ويقصده السياح من كل مكان؛ لنحتفل فيه كما يحتفل البريطانيون مثلاً في كرنفال "نوتينغ هيل" أو البرازيليون في كرنفال "ريو دي جانيرو" أو الإيطاليون في كرنفال "البندقية" أو السويسريون في كرنفال "جنيف" الشهير بجماله وتنظيمه الرائع، أو الألمان في كرنفال "كولن"، أو كما يحتفل الأمريكيون والأسبان والهنود واليابانيون والاستراليون وغيرهم في مناسباتهم، أو على الأقل كما يحتفل الإماراتيون واللبنانيون وبقية الأشقاء العرب بأعيادهم.

تُقام في العالم أعدادٌ كبيرة من المهرجانات والكرنفالات والاحتفالات بالأعياد وغيرها من المناسبات سنوياً، وتتم في صور مختلفة تتقاطع جميعها في الجمال وزرع البهجة وحسن التنظيم الذي يجذب الناس، فيقصدها بناء على ذلك الجذب الملايين من السياح من مختلف الدول؛ فكم هو عدد السياح الذين يقصدون بلادنا لحضور احتفالات أعيادنا ومناسباتنا إن كان هناك احتفالات جذابة أصلاً؟.

الأرقام الصحيحة مفقودة في معادلة صناعة المرح في بلادنا، وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها، وليس في العيد فقط، بل في جميع أيام السنة للأسف الشديد، ولا أدل على ذلك من اليوم الوطني -الذي سيحل علينا بعد أيام- فقد تحوَّل إلى موعدٍ لإغلاق الشوارع، والرقص بين السيارات، والعبث بالممتلكات العامة والخاصة، لانعدام الآلية السليمة القادرة على خلق أجواء الترفيه والفرح.

يجب أن يتغيّر الوضع عاجلاً وجذرياً، فقد ملَّ الناس مثلاً من التجمهر لمشاهدة الرقصات الشعبية، وكذلك الألعاب النارية المكررة في كل عام، وفي وقت محدد، وأمكنة لا تستطيع الوصول إليها أصلاً إلا بعد انتهاء العرض، بسبب زحام السيارات، وإذا وصلت فلن تجد أمامك إلا عرضاً لا يتجاوز عشر دقائق، ولا يمكنك الجلوس في مكان مريح لمشاهدته، بل يجب عليك الوقوف في الشارع، أو البقاء في سيارتك أنت ومن معك.

لقد طفح الكيل ونريد متعة حقيقية طيلة العام.. نريد صالات سينمائية لعرض كل ما يُعرض من الأفلام في العالم، ودون وصاية أو رقابة من أحد، وحبذا لو أقيم مهرجان سنوي لذلك (كمهرجان كان الفرنسي) أو على الأقل كمهرجان دبي السينمائي الدولي مثلاً.

نريد سيركاً فعلياً وليس مجموعة من الخيام التي حضرتُ شخصياً أحد عروضها، فندمت على قيمة التذكرة، بعد أن قارنته بأسوأ عروض السيرك التي حضرتها في الخارج، فوجدته-أي الخارجي- أفضل منه بمراحل في جميع النواحي، وعلى رأسها التنظيم، والإعلان المبكر، واتساع المساحة المخصصة للعارضين والمشاهدين، وعدم وجود (ضوابط تعيق حرية المشاركين في العرض)، إضافة لدرجة الحرارة؛ فقد خرجنا من تلك الخيمة وملابسنا تقطر عرقاً من شدة الحر.

ونريد مسرحيات حقيقية (لا تسبب النعاس) فالمسرح هو أعرق الفنون البشرية، وقد بدأ منذ العصور الإغريقية والرومانية الموغلة في القدم، وما زال مقياساً هاماً يعكس حضارات الشعوب وثقافاتها، ولن نرضى ببعض العروض التسكيتية التي لا تسمن ولا تغني من جوع؛ لأن غالبها ليس له من المسرح -بمعناه الصحيح- إلا اسمه، ولأن المشاهد قد يخرج منها وهو في قمة الكآبة وضيقة الصدر، بسبب الفشل الذريع الناتج عن غياب مقومات وأدوات وعناصر العمل المسرحي الكامل والسليم، والذي لا زال مقيداً بكثير من القيود الاجتماعية والدينية المتطرفة المبالغ فيها؛ إضافة للفوضى وسوء تنظيم المكان، ولنا في الخبر الذي نُشر في صحافتنا يوم الجمعة الماضي خير شاهد، حيث اعتدت بعض الزائرات على حارسات الأمن والمشرفات بالضرب والعض والشتم في مسرحية "كيد النسوان" ثالث أيام العيد في مدينة الرياض، وأضف إليه مقطع اليوتيوب الذي شاهدنا فيه الناس يكسرون بتدافعهم أبواب أحد المدن الترفيهية في جدة.

ولا أجد مهرباً من ضرورة الإشارة إلى الموقف السلبي لبعض المحتسبين الذين استطاعوا (إلغاء حفلة الموسيقار نصير شمة في عيد أرامكو) متجاهلين رسالة الفن السامية التي ليس من حقهم منع الناس من الاستمتاع بها؛ لمجرد اقتناعهم بقولٍ فقهي مرجوح.

نحن نطالب –دون قيد أو شرط- بكل أنواع وألوان ومظاهر الترفيه التي نشاهدها ونجدها عند سفرنا للخارج، فتسعدنا وتفرح بها قلوبنا وأرواحنا، وتهش وتبش لها وجوهنا رجالاً ونساء وأطفالا، بدليل الأعداد الهائلة من الهاربين سنوياً للسياحة الخارجية.

وإذا كان هناك من يعارض ذلك من أبناء الوطن فلن يلزمه أحد بالمشاركة فيها أو التفاعل معها، وبإمكانه البقاء في بيته وإحكام إغلاق أبوابه عليه كما أحكم إغلاق أبواب تفكيره، ونضمن له أنه لن يُسحب بالقوة ولن يُجبر على التمتع بجماليات الحياة.

http://www.albiladdaily.com/articles.php?action=show&id=10435

الاثنين

برجماتيتهم ومدى واقعية منظومتنا الأيديولوجية

نشر بتاريخ 06-09-2011 | جريدة البلاد

إن الأمم المتقدمة الناجحة التي ننعتها دائماً بأقسى وأقذع أوصاف الضلال والفسق والكفر والانحراف، لم تكن لتتقدم وتنجح في مختلف الميادين، ولم يكن لها أن تصل إلى ما وصلت إليه من عظمة وحضارة ومجد، إلا بفضل إخضاعها –غالباً- كل معلومة أو فكرة أو مفهوم أو رأي أو نظرية أو مبدأ لمعايير المنفعة الواقعية المتحققة على الأرض.

فالتجارب الإنسانية هي (مقياس النجاح) عند الشعوب العظيمة المنتجة المبدعة التي تقدِّس كل وسيلة توصلها لغاية نفعية عملية، والمشاعر والأحاسيس المتحمسة والعواطف الجيّاشة المجرّدة -في المقابل- هي المقياس الذي تعمل به الشعوب الرجعية المتخلفة التي تعتبر أيَّ وسيلة فاضلة من تلك الوسائل رذيلة؛ إذا عارضت مسلماتها التي لم يُفكّر غالبُ معتنقيها أصلاً في جدواها.

وأقصد بنجاح تلك الشعوب تحقيق الغايات البشرية ومطالب الأفراد الحياتية التي تنحصر عندي في الماتع والنافع، أو (المفيد واللذيذ) بعبارة أخرى، وذلك بسلوك كل مسلك يحققها، وممارسة كل وسيلة تؤدي إليها، فتلك الوسائل هي "أم الفضائل" مهما تعارضت مع القناعات الأخلاقية العاطفية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومهما اعتبرها العاجزون عن ممارستها أو الخائفون من سلوكها رذائل، وقد تختصر علينا مقولة ميكافيلي الشهيرة كثيرا من الكلام هنا حين قال بكل جمال واختصار: "الغاية تبرر الوسيلة".

أما الواقعية والواقع والواقعي والواقعيون، فهي كلمات ونعوت تتكرر كثيراً في أحاديث الناس وأطروحاتهم المختلفة، ويدور مفهوم (الواقع) لغةً حول الحصول والسقوط والحدوث والنزول، أي الحاصل أو الساقط أو الحادث أو النازل، وهو - في نظري - الأمر الذي نشعر ونحس بحصوله ووجوده وجدواه كواقعٍ محسوس ملموس مدرَك نقطف ثمرته، فنقول مثلا: هذا شخص واقعي وهذا كلام واقعي، وهذا وصف واقعي، وهذا فيلم سينمائي واقعي، وهذا أمر حاصل على أرض الواقع، أو مطابقٌ لما يحصل عليها، أو مناسب للتطبيق، وهذه قصيدة أو خطبة أو مقالة واقعية وهَلُمَّ جرّا..، ونقصد من ذلك أن تلك الأشياء موافقة أو منسجمة أو واصفة مجسدة للواقع الذي نعيشه ونراه ماثلاً أمامنا.

والبرجماتية بتعريفها المبسط –حسب فهمي- هي أن النتائج العملية الصائبة القائمة على التجارب البشرية السليمة هي المعيار الصحيح لصحة الفكرة أو الرأي أو المعلومة من عدمها، ومن ثم قبولها أو رفضها بناءً على ما تحققه من أُنْسٍ أو تجلبه من منفعة.

وبذلك تكون الواقعية جزءاً من أجزاء البرجماتية، أو وجهاً جميلاً من أوجهها أو صورة مشرقة من أسمى صورها، وواقعية الأفكار –التي هي مدار حديثنا- تندرج تحت المفهوم الواسع للواقعية أيضاً، فهي فرع من أجلِّ فروعه وأروعها، إن لم تكن الأساس الأول له؛ لأن المفاهيم والأفكار والرؤى والمبادئ النظرية هي الأصل الذي تنبثق منه -بعد قبوله والتسليم بصحته- جميع التطبيقات التي يمارسها الناس في واقعهم كنتيجة حتمية لتلك القناعات.

نأتي لأفكارنا الآن، وأقصد بها تحديداً تلك المنظومة المترابطة من النظريات والمعلومات والرؤى والعادات والتقاليد والأعراف وبعض المفاهيم الثقافية الاجتماعية السائدة بسبب (الإلف والتعويد) من جهة أو بسبب (التوارث والتقليد) من جهة أخرى، والتي تحكمنا وتسيطر علينا بشكل شامل وشديد، منذ قرون طويلة، ورغم أنوف المعارضين لها، أوالمطالبين بالتأكد من جدواها على أرض الواقع؛ لعجزهم عن التغلب على الكثرة الراضية بها، والتي تظن أنها حقائق ثابتة ومسلمات سليمة لا تقبل الجدل والنقاش.

هل تلك المعلومات والنظريات والأفكار والرؤى والأخلاق والقوانين والآراء التي تضمها منظومتنا الأيديولوجية مسلمات سليمة فعلاً؟ وهل هي حقائق قطعية يقينية؟! وهل هي قبل ذلك -وهو الأهم- واقعية مثمرة تحقق منافع ومصالح ومتعاً ولذّات ظاهرة ومدركة للناس في مجتمعنا؟ وهل تأكد مَن يجيب بنعم مِن تلك الواقعية باستخدام المعيار البرجماتي الذرائعي -الذي أراه صحيحا- عند قياس مدى صحة تلك الأفكار من خلال واقعيتها؟

لا يكفي أن نقرر أو أن نقول نظرياً: إن منظومتنا الفكرية السائدة مفيدة ومثمرة ونافعة لنا، (بل يجب فرز أفكارها فكرةً فكرة)، وبهدوءٍ ووسائلَ متعددة تختلف باختلاف الأشخاص وقدراتهم ومواهبهم، وإمكاناتهم المتوفرة والمتاحة لهم، وأساليبهم العقلية المتفاوتة، ومن ثم إخضاع كل فكرة منها -بعد الفرز والتنظيم- إلى معيار المنفعة والمصلحة واللذة والراحة الإنسانية، وهذا لا يكون إلا بالتجربة العملية من ناحية، ومقارنتها المنطقية بمثيلاتها من الأفكار الإنسانية الأخرى من ناحية ثانية.

جرّبوا أن تفكروا في ذلك الكم الرهيب من الآراء والمعلومات والقواعد المتوارثة الشائعة بيننا، بل والحاكمة لنا والمسيطرة علينا في جميع شؤوننا، وبشكل عجيب غريب مريب مثير للدهشة، بل وللشفقة أيضاً في تقديري، جرّبوا .. فإن وجدتموها واقعية نافعة مفيدة تحقق مصالحنا واحتياجاتنا، وتتناسب مع طبيعة حياتنا المعاصرة، فارموا بموضوعي هذا في سلة المهملات بعد أن تضربوا به عرض الحائط.وإن وجدتموها خيالية وهمية هلامية بعيدة عن الواقع والنافع والرائع والماتع؟ فلماذا لا تتضافر الجهود لتقويضها وإعادة بناء ما يقبل الترميم منها، وإبدال ما لا يقبل ذلك بغيره؟!

لا تُحكِّموا عواطفكم وقلوبكم ومشاعركم وضمائركم وبعض خرافات أجدادكم هنا، وحاولوا ولو محاولة أن تحكّموا عقولكم وأن تستعرضوا أفكارنا وقناعاتنا ومُثُلنا وقيمنا وأنظمتنا السائدة وتخضعوها واحدة واحدة –مهما طال وقت ذلك- إلى "مقاييس النجاح السليمة" للنظريات والمعلومات، مستحضرين أثناء إخضاعكم فحوى هذا الموضوع الذي ألخصه باختصار فأقول: (إن الانتصار المادي المُدْرَك على أرض الواقع هو البرهان الوحيد الأكيد على صحة كل أمر نظري، بعيداً عن جميع القيود الأخلاقية أو الاجتماعية أو غيرها من الأغلال التي تمنع أو تحد من (التمحور على مصلحة الفرد ومتعته الدنيوية) وخصوصاً في هذا العصر الذي يشهد إرهاصات قيام كيان الأيديولوجية الإنسانية الواحدة المكوَّنة من خليطٍ ضخمٍ من الصالح للتطبيق من أفكار ومعتقدات الشعوب.

يا ترى كم هي نسبة الذي سينجح من عناصر منظومة قناعاتنا المجتمعية السائدة والمترابطة في اجتياز اختبارات السُعود والمصالح السالفة الذكر؟ وهل سيكون ذلك النجاح مؤهِّلاً للدخول –إن صح التعبير- في تركيب كيان الفكرانية البشرية المشتركة التي بدأت تلوح ملامح قدومها في الأفق؟!

أم أن جميع أو غالب عناصرها سيخفق في اجتياز تلك الاختبارات؟ ليبقى كما كان عالةً على البشر!